<<<< >>>>

خمسة أبعاد للتعليم

HTML clipboard

التعليم الذي ساد في الماضي كان ناقصاً جداً سطحياً ومشوهاً... لقد صنع فقط أناساً يستطيعون كسب عيشهم لكنهم غير قادرين على العيش الحقيقي... لم يكن ذلك التعليم ناقصاً فحسب بل مؤذياً أيضاً، لأنه مبني على المنافسة.

 

أي نوع من المنافسة هو في الأساس نوع من العنف، ويصنع أناساً غير محبين... جهودهم كلها مبذولة لكي يصبحوا عظماء حاملي أسماء وشهرة وألقاب وكل أنواع المطامع.... من الواضح أن عليهم الصراع والنزاع لتحقيق هذه الأهداف... وهذا يدمر كل أفراحهم ومودتهم وحبهم... حتى صار كل شخص في العالم يقاتل ضد العالم بأكمله.

 

عملية التعليم حتى اليوم لا تزال موجهة نحو هدف محدد: الذي تتعلمه ليس مهماً، بل المهم هو الامتحان الذي سيأتي بعد سنة أو سنتين... هذا يجعل "المستقبل" مهماً، أكثر أهمية من اللحظة الحاضرة... فيضحي بالحاضر لأجل المستقبل.

وهذا بالضبط يصبح أسلوب حياتك كلها، أنت دائماً تضحي بلحظاتك لأجل شيء غير موجود الآن، فيخلق هذا فراغاً هائلاً في الحياة.

 

التعليم في هذه الجامعة والجماعة سيكون له خمسة أبعاد

وقبل الدخول بهذه الأبعاد لا بد من شرح بعض النقاط...

أولاً: يجب ألا يكون هناك أي نوع من الامتحان كجزء من التعليم، لكن كل يوم، وكل ساعة سيراقب الأساتذة تلاميذهم، وستكون ملاحظاتهم خلال السنة هي التي ستقرر ما إذا يمكنك المتابعة أو البقاء أكثر قليلاً في نفس الصف.... لا أحد هنا يرسب ولا أحد ينجح... الموضوع أن هناك بعض الناس سريعون والبعض بطيئون كسالى قليلاً، لأن فكرة الرسوب والفشل تصنع جرحاً عميقاً وعقدة نقص، وفكرة النجاح أيضاً تصنع نوعاً مختلفاً من المرض، وهو الاستكبار والاستعلاء.

 

لا أحد أدنى... ولا أحد أعلى...

المرء هو ذاته فحسب... لا يمكن مقارنته بأحد أبداً...

إذاً، الامتحانات لن يكون لها أي مكان... وهذا سيغير الاتجاه بالكامل من المستقبل إلى الحاضر... والذي تفعله في هذه اللحظة هو الذي سيقرر، وليس خمسة أسئلة في نهاية سنتين دراسة، إذا كنتَ تحفظهم وتذكرتهم تنجح وتكون الأول ويكرمك المجتمع بأعلى الشهادات، أما إذا نسيتهم ترسب ويحكم عليك المجتمع والأهل بالفشل فتحكم أنت على نفسك أيضاً...

من بين آلاف الأشياء التي ستمر فيها خلال هاتين السنتين، كل منها سيكون محدداً ومقيّماً لك، بهذا لن يكون التعليم موجهاً إلى هدف محدد.

 

كان للمعلم أهمية كبيرة في الماضي، لأنه يعرف وقد اجتاز كل الامتحانات، وقد جمع كثيراً من المعرفة والمعلومات... لكن الحالة قد تغيرت، وهذه أحد المشكلات... تتغير الحالات لكن استجاباتنا لها تبقى نفس الاستجابات القديمة.

الآن انفجار المعرفة كبير وشاسع وهائل وسريع جداً، لدرجة أنه لا يمكنك كتابة كتاب كبير حول أي موضوع علمي، لأنه في الوقت الذي تنهي فيه الكتاب، سيصبح كتابك قديماً! لأن حقائق واكتشافات جديدة قد ظهرت وجعلته عديم القيمة... لذلك على العلم الآن أن يعتمد على المقالات والنشرات الدورية، وليس على الكتب.

 

المعلم كان يتم تدريسه لثلاثين سنة قبل أن يعلم... لكن في ثلاثين سنة يتغير كل شيء، رغم هذا يستمر بتدريس وتكرار نفس الذي درسه... المعلم فات أوانه وانتهت مدة صلاحيته، لهذا يجعل طلابه أيضاً منتهيين الصلاحية... والطالب الغبي يذهب إلى الأستاذ الغبي.

لذلك في هذه الجامعة، لا يوجد مكان لأي معلم، بدلاً من المعلمين أو المدرسين سيكون هناك دليل أو مرشد فحسب، وعليك أن تفهم الفرق: المرشد يقوم فقط بإخبارك أين تجد آخر المعلومات حول الموضوع في المكتبة أو الانترنت.

 

وعلى التعليم ألا يتم بالطريقة القديمة، لأن التلفاز والانترنت يمكن أن تقدمه بطريقة أفضل بكثير، يمكنها تقديم أحدث المعلومات وبسرعة دون أي مشكلة.

على المعلم أن يقنع ويجذب أذنيك، لكن الآن التلفاز والانترنت تجذب عينيك وأذنيك مباشرة، والأثر أعظم بكثير، لأن العينان تمتص 80% من المواقف في حياتك وهي أكثر الأجزاء حيوية من جسمك.

إذا رأيتَ شيئاً فلن يكون هناك حاجة لحفظه، لكنك إذا سمعتَ شيئاً فلا بد من حفظه... وحوالي 98% من التعليم يمكن تقديمه من خلال الانترنت والتلفاز، والأسئلة التي يطرحها الطلاب يمكن للحاسب أن يجيب عليها.

المعلم سيكون مرشداً فحسب ليخبرك عن المحطة الصحيحة أو موقع الانترنت، أو يريك كيف تستخدم الحاسب، كيف تجد أحدث كتاب... ستكون وظيفته مختلفة تماماً عما مضى... إنه لا يلقنك بالمعرفة، بل يجعلك مدركاً للمعرفة المعاصرة الحديثة والأحدث... إنه مجرد دليل ومساعد لا أكثر.

 

مع الأخذ بهذه الاعتبارات، سنقسم عملية التعليم إلى خمسة أبعاد:

البعد الأول هو البعد المعلوماتي، مثل التاريخ، الجغرافيا وعدة مواد أخرى يمكن للحاسب والتلفاز تقديمها كاملة.

ويأتي ضمن هذا البعد اللغات الأجنبية... على كل شخص في العالم أن يعرف لغتين على الأقل، لغته الأم والثانية هي الانكليزية كوسيلة عالمية للاتصال والتواصل.. وهذه أيضاً يمكن أن تُعلم بدقة أكبر من خلال التلفاز والحاسب، ويمكن تعليم اللفظ والقواعد وكل شيء بشكل أفضل من المدرسين البشريين.

يمكننا أن نصنع في العالم جواً من الإخوّة: فاللغة تربط الناس أو تفصلهم أيضاً... لا يوجد الآن لغة عالمية واحدة، وهذا بسبب تحيّزنا ومصالحنا... الانكليزية جديرة تماماً بالمهمة، لأنها معروفة عند كثير من الناس على امتداد العالم، رغم أنها ليست اللغة الأولى في العالم.... اللغة الأولى هي الاسبانية، إذا نظرنا إلى عدد المتحدثين بها، لكن عدد المتحدثين بها غير مهم لأنهم محصورون في بلد واحد وغير منتشرة عبر العالم... اللغة الثانية هي الصينية، وهي محصورة أكثر أيضاً، في الصين فقط... بالنظر للأرقام، هاتين اللغتين يتحدث بها عدد أكبر من الناس، لكن المهم هنا ليس الرقم بل الانتشار.

الانكليزية هي اللغة الأكثر انتشاراً، وعلى الناس أن يرموا تحيزاتهم، وينظروا إلى الواقع... وحتى محاولات صنع لغات جديدة مركبة من لغات أخرى قد فشلت.

إذاً من الضروري تماماً تعلم لغتان على الأقل، الأولى هي اللغة الأم، لأن هناك مشاعراً وأشياء دقيقة لا تستطيع قولها إلا بلغتك الأم... باللغات الأجنبية يمكن القيام بأي شيء، لكن عندما يكون الموقف قتالاً أو حباً، ستشعر أنك لستَ حقيقياً وصادقاً مع أحاسيسك.... لذلك من أجل مشاعرك وصدقك مع نفسك ستحتاج لغتك الأم، التي تشربها مع حليب أمك وتصبح جزءاً من دمك ولحمك وعظمك... لكنها غير كافية، لأن هذا يصنع مجموعات صغيرة من الناس ويجعل الآخرين غرباء.

لغة عالمية واحدة مطلوبة جداًـ كأساس لعالم واحد وبشرية واحدة... لهذا على كل شخص تعلم لغتين على الأقل.

 

البعد الثاني هو مواضيع العلوم... يمكن أيضاً للحاسب والتلفاز تقديمها، لكنها أكثر تعقيداً، وسيكون الدليل البشري ضرورياً أكثر هنا.

هذه العلوم هامة جداً لأنها تشكل نصف الواقع، وهو الواقع الخارجي.

 

البعد الثالث هو ما ينقص كثيراً في تعليمنا الحالي، وهو فن الحياة.

لقد أخذ الناس الحياة مجاناً... واعتقدوا أنهم ببساطة يعرفون ما هو الحب...

إنهم لا يعرفون.. وعندما يعرفون أنهم لا يعرفون، سيكون الوقت قد تأخر كثيراً... يجب علينا مساعدة كل طفل لكي يحوّل غضبه وكراهيته وغيرته إلى حب.

 

وجزء مهم من البعد الثالث سيخصص لحسّ الفكاهة والمزاح... "تعليمنا" الحالي يجعل الناس جديين وحزينين دون ضرورة... وإذا كان ثلث حياتك يضيع في الجامعة وأنت تعيش قمة الجدية والحزن، سيصبح هذا أثراً محفوراً في كيانك، وستنسى لغة الضحكة... والإنسان الذي ينسى لغة الضحكة ينسى كثيراً من الحياة.

إذاً، الحب والضحك والتعرف على الحياة وعجائبها وأسرارها... الطيور المغردة على الأشجار يجب ألا تفوتك في هذه الحياة.... الأشجار والنجوم والأزهار لا بد أن يتصل بها قلبك ويتواصل معها... شروق الشمس وغروبها يجب ألا تكون مجرد أشياء خارجية، بل داخلية أيضاً.... احترام وتبجيل الحياة يجب أن يكون أساس البعد الثالث.

الناس لا يحترمون الحياة أبداً....

يستمرون بقتل الحيوانات لتناول الطعام... ويسمونها هواية ولعبة الصيد، أما إذا قام الحيوان بأكلهم عندها يسمونها فاجعة ومصيبة... غريب حقاً، في اللعبة يجب إعطاء كلا الفريقين فرصاً متساوية.. لكن الحيوانات دون أسلحة وأنت معك الأسهم أو البندقية الرشاشة.... ربما لم تفكر من قبل لماذا اخترعت السهام أو البندقية... لكي تتمكن من قتل الحيوان من مسافة بعيدة، فالاقتراب منه خطير... أي نوع من الألعاب هذه؟... والحيوان المسكين دون حول ولا قوة ولا أي وسيلة دفاع ضد رصاصاتك.....

الموضوع ليس حول قتل الحيوانات، بل حول احترامك للحياة، لأن كل احتياجاتك اليوم يمكن تأمينها بواسطة الزراعة والصناعة الغذائية والطرق العلمية... ويمكن إشباع كل ما يحتاج البشر دون قتل أي حيوان.... والإنسان الذي يقتل الحيوانات، عميقاً في نفسه، يستطيع أيضاً قتل أخيه الإنسان دون أي صعوبة، فما الفرق؟

واليوم انتشرت الفضيحة على الانترنت منذ زمان، البشر تأكل وتبيع لحم البشر وما خفي أعظم...

يجب علينا أن نعلم الطلاب احتراماً كبيراً للحياة، لأن الحياة هي الله ولا يوجد أي إله سوى الحياة ذاتها... الحياة والحب والفرح والضحك... باختصار روح هائمة وراقصة منتشية بالخلق والخالق في خلقه.

 

البعد الرابع هو الفن والإبداع، الرسم، الموسيقى، الفنون اليدوية، البناء الطبيعي والفخار... أي شيء إبداعي. كل مجالات الإبداع يجب تأمينها والسماح بها ويمكن للطالب أن يختار ما يحب...

يجب أن يكون هناك فقط بعض الأشياء إجبارية، مثل اللغة العالمية، قدرة معينة على كسب عيشك، واختيار أحد الفنون الإبداعية مثلاً.... ويمكنك الاختيار من كل ألوان الفنون... لأنه ما لم يتعلم الإنسان كيف يصنع ويخلق، فلن يصبح أبداً جزءاً من الحياة والوجود، الذي يخلق باستمرار... عندما تكون مبدعاً تكون مقدساً، والإبداع هو الصلاة الوحيدة المقبولة في كل لحظة كتاباً موقوتاً...

 

البعد الخامس هو فن الموت... في هذا البعد تأتي كل أنواع التأمل، فتستطيع معرفة أنه لا يوجد أي موت، وتستطيع إدراك أن هناك حياة أبدية تنطوي داخلك... يجب أن يكون هذا جوهرياً أساسياً جداً، لأنه على كل شخص أن يموت، ولا يمكن لأحد أن يتفادى الموت.

وتحت مظلة التأمل الواسعة، يمكنك تعلم كل طرق وأنواع الصوفية والزنّ والتاو واليوغا، كل الأنواع والطرق التي وجدت حتى الآن، والتي لم تهتم بها عملية التعليم أبداً...

في هذا البعد الخامس، يجب أن تتعلم الفنون القتالية مثل الأيكيدو، جوجيتسو، والجودو.. فنون الدفاع عن النفس دون أسلحة، وليس الدفاع عن النفس لوحده، بل بالترافق والتوازي مع التأمل.

 

سيكون في الجماعة ثقافة وتعليم كامل متكامل... كل ما هو ضروري سيكون إجباري، وكل ما هو غير ضروري سيكون اختياري... يمكن للطالب أن يختار من الخيارات المتاحة وستكون كثيرة... وحالما تتحقق الأولويات، سيكون عليك تعلم شيء تستمع به، كالموسيقى أو الرقص أو الرسم... عليك تعلم شيء يجعلك تدخل في نفسك لكي تعرف نفسك... ويمكن عمل هذا دون أي صعوبة.

 

لقد كنتُ طالباً في ما يسمى بيولوجيا أو علوماً طبيعية.. وتركتها بعد الأربع سنين كاملة لكن حاملاً لمادتين... رغم أن معدلي كان الأعلى بين زملائي ويحق لي إكمال "الدراسات العليا"... تركتها وقلت للجميع أنها "دراسات سفلى"...

ليست علوماً وليست طبيعية!... مجرد معلومات تبلعها وتكررها لتشتري الشهادات وتضحك على نفسك بأنك أصبحت مثقفاً وعالماً.. وأنت أبعد ما يكون عن العلم الحقيقي الحق.

 

وصلتُ لمرحلة أعطيت لنفسي شهادة ببساطة وبقوة.. وقلت لهم قريباً سأفتح جامعة! وها هي تتحقق...

من هذا الذي يحق له إعطائي شهادة؟... من أين جلب علمه أو معلوماته؟ من الكتب إذاً سأذهب للمصدر مباشرة... سأشرب من النبع لا من الساقية... والمصدر الحقيقي للعلم ليس فقط في الكتاب والكاتب... بل من لدنّي علماً.. أي من الله أو من القلب.

 

للأسف هذا هو التعليم أو التعليب السائد في كل أرجاء العالم.. سواء كنت في الصين أو أوروبا أو أميركا لا فرق أبداً.... لم يهتم أحد أبداً بتعليم شامل متكامل.

 

وبهذا المفهوم نجد أن كل الناس جهلة أميين غير متعلمين

حتى أولئك الحاصلين على شهادات كبيرة وجوائز عظيمة

تجدهم بنواحي كثيرة في الحياة جاهلين متجاهلين

بعضهم أكثر جهلاً وبعضهم أقل، لكن الجميع غير متعلمين

وصار إيجاد شخص متعلم حقيقي مستحيلاً في هذا الزمان

لأن التعليم المتكامل غير موجود في أي مكان..

فلنبدأ معاً بزرع العلم الحقيقي وخلق الإنسان

أضيفت في باب:4-6-2010... > منهاج تأسيس الجامعة
.... إذا وجدت أن الموضوع مفيد لك، أرجو منك دعم الموقع

© جميع الحقوق محفوظة.. موقع علاء السيد