موقع علاء السيد... طباعة
<<<< >>>>

شيفرة الميكروبيوم (الكائنات الدقيقة في الأمعاء) والهضم الفردي والأنسولين

لطالما أخبرتنا "صناعة الحميات الغذائية" أن زيادة الوزن أمرٌ في متناول أيدينا إذا ما تحلينا بضبط النفس الكافي لممارسة تمارين اليوغا والزومبا مع التزام النظام الغذائي المناسب، سواء كان نظام باليو، سليم فاست، كيتو، أو حتى حميات العصائر إلخ... ولكن ماذا لو كان الأمر برمته يعتمد على البكتيريا الموجودة في أمعائنا؟ هذا ما سعى الباحثون مؤخرًا لاكتشافه عندما ظهر تقرير غريب عن شابة، تبلغ من العمر 32 عامًا فقط، خضعت لعملية زرع براز (نقل بكتريا نافعة) لعلاج عدوى مزمنة من بكتيريا كلوستريديوم C.diff. ما حدث بعد ذلك أثار ضجة كبيرة لدى العلماء والصحافة على حد سواء. ففي الأشهر الستة عشر التي تلت عملية زرع البراز، زاد وزنها بشكل كبير وغير مقصود، من 136 رطلاً إلى 170 رطلاً. وارتفع مؤشر كتلة جسمها من وزن صحي قريب جدًا(BMI=26) إلى السمنة المفرطة (33). لم يتغير أي شيء آخر في حياتها، لا نظامها الغذائي، ولا مستوى التوتر لديها، ولا مستوى نشاطها البدني، فقط عملية زرع البراز.

 

عادةً، لا يُعدّ اكتساب الوزن من هذا النوع مشكلة كبيرة، إلا أنه وللمرة الأولى في البشر، أوضحنا فكرةً ثبتت مرارًا وتكرارًا في الحيوانات: أن ميكروبات الأمعاء لدينا تتحكم بشكل كبير في طريقة معالجتنا للطعام وعملية الأيض لدينا. لدرجة أنه في الواقع، ظهر أن الطعام نفسه قد يُحدث تأثيرات مختلفة تمامًا اعتمادًا على ميكروبات الأمعاء المؤثرة.

 

أُجريت إحدى الدراسات على توأمين بشريين متطابقين جينيًا، أحدهما بدين والآخر نحيف. أخذ الباحثون برازًا من التوأمين ونقلوه إلى فئران خالية من الجراثيم، وبقي الفأر الذي حصل على براز التوأم النحيف نحيفًا، بينما أصبح الفأر الذي حصل على براز التوأم البدين بدينًا. على الرغم من حقيقة أن كلا الفأرين تناولا نفس النظام الغذائي ونفس السعرات الحرارية، فقد وجدوا أن نوع الجسم (نحيف/بدين) انتقل.

 

لقد أمضى الكثير منا سنوات في العمل الجاد لإنقاص الوزن من ممارسة الرياضة، وتناول الطعام الصحي، واتباع كل ما ينصحنا به "الخبراء وغير الخبراء".. والآن نفهم لماذا قد لا ينجح ذلك.

نحتاج إلى القليل من المساعدة من أصدقائنا الجراثيم!

يمكنك إعطاء نفس الطعام لشخصين مختلفين وستحدد الاختلافات في ميكروبات الأمعاء لديهما ما سيستفيدان منه في النهاية.. أمرٌ مذهل، أليس كذلك؟

 

لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد... فميكروبات الأمعاء لا تنظم عملية الأيض لدينا فقط بمعنى السعرات الحرارية الداخلة والخارجة، بل إنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بجهاز الغدد الصماء لدينا، مؤثرةً على استجابتنا للأنسولين.

بعد تناول الطعام، يرتفع مستوى السكر في الدم، وتستجيب خلايا البنكرياس بإفراز الأنسولين في مجرى الدم لخفض مستوى السكر.

إذا كنت مصابًا بداء السكري، فأنت تعاني من نقص في الأنسولين للتحكم في مستوى السكر في الدم، لذلك يبقى مرتفعًا.

يعاني مرضى السكري من النوع الأول من مرض مناعي ذاتي يدمر الجزء من البنكرياس المسؤول عن إنتاج الأنسولين. وكما ذكرنا سابقًا في الكتاب، يرتبط مرض السكري من النوع الأول المناعي الذاتي بصحة الأمعاء.

في المقابل، يتمتع مرضى السكري من النوع الثاني ببنكرياس يعمل بكفاءة عالية لا بل مفرطة، لكنه غير قادر على إنتاج كمية كافية من الأنسولين لتلبية احتياجات الجسم. ويعود ذلك إلى مقاومة الأنسولين، مما يعني ضرورة إنتاج كمية أكبر من الأنسولين لتحقيق التأثير نفسه.

الأنسولين عامل نمو.. ماذا تتوقع أن يحدث عند تحفيز زيادة النمو في الجسم؟ لقد رُبط مرض السكري من النوع الثاني بسرطان المريء، وسرطان القولون والمستقيم، وسرطان البنكرياس، وسرطان الخلايا الكبدية، وسرطان الكلى، وسرطان الثدي، وسرطان بطانة الرحم، وسرطان المسالك البولية.

 

السرطان كريه الرائحة... حرفيًا!

هل تعلم أن الكلاب تستطيع بالفعل شمّ سرطان القولون والمستقيم؟ لقد كانت دقتها 98% في الكشف عن سرطان القولون من خلال سلسلة من عينات البراز. هل كنت تظن أن الكلاب تشمّ المؤخرات لمجرد التسلية؟ فلنُعطِ أفضل صديق للإنسان بعض التقدير! يُعد سرطان القولون والمستقيم ثاني سبب رئيسي للوفاة بالسرطان في أمريكا، وتُظهر الدراسات الحديثة أن أنواعًا مُحددة من البكتيريا في القولون تلعب دورًا في تطوره، مما قد يُفسر قدرة الكلاب على كشف ذلك.

وقد ارتبطت التغيرات في بكتيريا الأمعاء بعدد من أنواع السرطان الحديثة:

سرطان الثدي، والمعدة، والمريء، والبنكرياس، والحنجرة، والكبد، والمرارة.

وتُجرى أبحاث مستمرة لتحديد مدى تأثير هذه البكتيريا كعامل مُسبب.

 

لقد أظهرنا سابقًا أن بكتيريا الأمعاء تنظم استجابة الجسم للطعام بشكلٍ متفاوت، ويمكن أن تؤثر على زيادة الوزن. ماذا عن استجابة الجسم للأنسولين؟ في دراسةٍ رائعةٍ للغاية، خضع رجالٌ بالغون مصابون بمتلازمة الأيض أو التمثيل الغذائي ومقاومة الأنسولين، لعملية زرع براز من متبرعٍ نحيف الجسم.. أدى ذلك إلى تغييرٍ في ميكروبات الأمعاء لديهم، ارتبط بتحسنٍ في حساسية الأنسولين وانخفاضٍ في مستوى السكر في الدم. لسوء الحظ، لم يستمر التأثير إلا لبضعة أسابيع فقط، لأنهم لم يغيروا نظامهم الغذائي، وبالتالي لم يستمر الميكروبيوم الجديد عندهم.

 

الحالات الأيضية المرتبطة باختلال التوازن البكتيري:

السمنة - داء السكري من النوع الثاني - مرض الشريان التاجي - ارتفاع نسبة الدهون في الدم - مرض الكلى المزمن – النقرس - مرض الكبد الدهني غير الكحولي - التهاب الكبد الدهني الكحولي - التهاب الكبد الكحولي الحاد - تليف الكبد الكحولي - التهاب البنكرياس الحاد - التهاب البنكرياس المزمن.

 

لكن ليس من الضروري أن تكون مصابًا بالسكري لتشعر بتأثير ميكروبات أمعائك! في دراسة أخرى، اكتشف الباحثون أن للأطعمة استجابة (في سكر الدم) مختلفة تمامًا لدى كل شخص.. وكان ميكروبيوم الأمعاء مسؤولًا عن هذه الاستجابة الفريدة.. وباستخدام التركيبة الميكروبية للأمعاء لكل فرد فقط، تمكنوا من التنبؤ بالأطعمة التي ستسبب ارتفاعًا أقل في سكر الدم. وقد كان الأمر مختلفًا من شخص لآخر. بعبارة أخرى، لديك استجابة فريدة وشخصية تمامًا للطعام الذي تتناوله، وهي انعكاس لتكوين ميكروبات أمعائك. يا لها من فردية بيولوجية مذهلة!

 

انسَ كل (أو معظم) ما تعلمته عن التمثيل الغذائي، والسكري، وفقدان الوزن.. إن فقدان التنوع في ميكروبات الأمعاء، وزيادة البكتيريا الممرضة، والالتهاب المزمن منخفض الدرجة الناتج عن السموم الداخلية البكتيرية، هو ما يرتبط بالسكري، وزيادة الوزن، والسمنة... هناك أيضًا أدلة تشير إلى أن ميكروبات الأمعاء تتحكم في إفراز الهرمونات التي تنظم الشهية وتوازن الطاقة، مثل اللبتين، والجريلين، وGLP-1 الببتيد الشبيه بالجلوكاجون-1، والببتيدYY.. زيادة تنوع الميكروبات في الأمعاء تعني تحسين الصحة الأيضية وحساسية الأنسولين.

 

لذا، عندما نغذي ميكروبات الأمعاء بشكل صحيح، فإننا نحصل على ميكروبات تستخلص كل ما نحتاجه من طعامنا ولا تستخلص ما لا نحتاجه، وتنبّهنا متى يجب التوقف عن الأكل حتى لا نفرط فيه، وتعزز توازنًا أيضيًا طبيعيًا لا يتطلب منا حساب السعرات الحرارية للحفاظ على وزن صحي.. الميكروبيوم الصحي يجعل ذلك يحدث بسهولة.

 

المصدر من كتاب Fiber Fueled – Dr.Will Bulsiewicz MD MSCI 2020
نقله لكم علاء السيد 15-5-2026

 

أضيفت في:29-5-2026... الغذاء و الشفاء> جهاز الهضم
.... إذا وجدت أن الموضوع مفيد لك، أرجو منك دعم الموقع

 

 

© جميع الحقوق محفوظة.. موقع علاء السيد